أدلجة العنف الجنسي والجندري في الدوائر 'التقدمية' في فلسطين

أدلجة العنف الجنسي والجندري في الدوائر "التقدمية" في فلسطين

أدلجة العنف الجنسي والجندري في الدوائر "التقدمية" في فلسطين

By : Haneen Maikey and Beesan Ramadan حنين معيكي وبيسان رمضان

[هذه المادة ضمن ملف خاص تنشره"جدلية" بالتعاون مع مؤسسة "القوس" الفلسطينية. للإطلاع على جميع مواد الملف اضغط/ي هنا]

كاتبات: حنين معيكي وبيسان رمضان

صادفنا في العقد الأخير، ومن خلال نشاطنا في أطر وحِراكات تُعنى في مواضيع الجنسانية و التعددية الجنسية والجندرية، أشكالا وصورا متعددة من العنف والإقصاء لتوجّهات وهويات وسلوكيات جنسية و جندرية خارجة عمّا استدخلناه كمُتبع وسائد في المجتمع الفلسطيني. أكثر هذه الأشكال نقاشًا تلك المستخدِمة للمنظومة الأخلاقية والدين كحجة للإقصاء ولشرعنة العنف. هنالك أهمية لتكملة العمل على مناهضة هذه المنظومات والتصدي لعنفها، إلّا أن هناك حاجة لتوسيع إدراكنا لمفهوم العنف الجنسي والجندري وخصوصًا عندما يأتي بصيغ مركبّة أو أقنعة يصعب تصنيفها لأول وهلة تحت بند العنف (بتعريفه الضيق). في هذا المقال سنتطرق لأشكال وخطابات العنف الجنسي والجندري الذي يعاد إنتاجه داخل الدوائر "التقدمية[1]" الاجتماعية والسياسية في فلسطين، تنبع حاجة تحليل هذه الخطابات من ضرورة مساءلة أصول الاضطهاد ووظائفه وأشكاله المختلفة وطرق مواجهته، هادفات لبناء أرضية مشتركة للمضي في نضالنا ضد استعمار الأرض، والعقل، والجسد.

يمكن تصنيف الخطابات الإشكاليّة حول التعددية الجنسية والجندرية في الدوائر "التقدمية" في فلسطين من خلال تأصيلها وردّها إلى موجتين من الخطابات السياسية. الموجة الأولى هي تلك المتفرعة من النيوليبرالية وخاصة *المؤنجزة منها،عالمياً ومحلياً.  تتمثل هذه الموجة بخطابات "التقبّل" "للآخر" المنقولة عن خطابات مؤسسات المجتمع المدني وحراكات ليبرالية مثلية عالمية، ذلك دون أن تكون إطاراً تقدمياً بجوهره كالمعلن. أما الموجة الثانية فتتفرع من خطابات ما بعد حداثية غالباََ ما تستخفّ ب"الهويات الفرعية" مشدّدة على "هرميّة النضالات" التي تضع "الجماعة" في المركز على حساب "الفرد". بناءََ على ذلك، تعيد الموجة هذه إقصاء المثليين/ات وأشخاص يعيشون هويات جنسيّة وجندريّة مختلفة من شتى المرافق الحياتية، و/أو تحدد مشاركتهم في العمل السياسي شرط التنازل عن جانب من هوياتهم المصابة بتصنيفها "الفرعي".

في مواكبة الموجتين، هنالك أهمية جمّة في رأينا لتسييس العنف، المرئي والمبطن، وذلك عن طريق تفكيك المصطلحات المختلفة التي قد تبدو للوهلة الأولى محمّلة بـ معاني "التقدمية والتحرر"، وبالتالي، عملية المتابعة والتصدي لمحاولات أدلجة العنف ضد التنوّع والاختلاف الجنسي والجندري عن طريق استعمال خطابات سياسية قديمة-جديدة.

خطاب التقبّل والآخر

كثيرا ما يأتي خطاب التقبّل بنيّات حسنة للتعبير عن دعم وتضامن دوائر مختلفة من النشطاء للنضال المثلي والكويري في فلسطين، يكون ذلك مصحوباً بمصطلحات إيجابية تقدميّة، دون التدقيق في إيحاءاتها وأصولها السياسية (أو الديناميكية الاجتماعية والنفسية المصدّرة لها). في السنوات الأخيرة ازداد في فلسطين تردد النقاش حول "تقبل المثليين" من خلال الانكشاف على التحولات العالمية بشأن حقوق المثليين وخصوصا موضوع زواج المثليين في الغرب.  كان هذا النقاش بمثابة نافذة للكثير من الناشطين للتعبير عن تقبلهم للمثلية والمثليين من دون الأخذ بعين الاعتبار أنه لا يمكننا استيراد مفهوم التقبّل. خطورة استيراد هذا الخطاب بنزع راديكالية النضال المثلي والكويري المحلي وتحويل النقاش إلى نقاش حقوقي وتقبل الذي هو ليس مطلب الحراك المحلي.

لا يقتصر النّقاش المجتمعي حول قضايا التعددية الجنسية والجندرية على استيراد خطاب التقبل كعامل خارجي من العالم الشمالي، بل أصبح جزءاً من المفاهيم التي تسللت إلى المجتمع الفلسطيني من خلال موجة "الأنجزة" النيوليبرالية التي اجتاحته في حقبة ما بعد أوسلو عن طريق أجندات التمويل المشروط. فقد حملت الأخيرة قيماً سياسية متناسقة مع البرنامج السياسي الانهزامي والذي رأينا تأثيره أيضًا على الحراك النسوي، الشبابي وحتى النقابي، وغيرها من قطاعات ومؤسسات المجتمع المدني. تُرجمت هذه الأجندات  إلى مشاريع تدريبية "تنموية" خلقت قاموسًا جديدًا يتماهى مع ما أطلق عليه "الفلسطيني الجديد[2]": المستغني عن مبدأ المقاومة كأساس من أسس التحرر من الاستعمار، الفلسطيني المنسّق أمنيًا مع الاحتلال، المستهلك، وأيضًا المتبنّي لمنظومة مصطلحات نيوليبرالية سقفها لا يتعدى الخطاب الحقوقي و/أو الفرداني، وفي هذه الحالة "المتقبل"  "للآخر" المثلي.

خلافًا لتجارب حِراكات مثلية وكويريّة حول العالم، طالب بعضها بالتقبّل من فئات مختلفة من المجتمع كمقياس للتغيير والتحوّل في المواقف حول هذه القضايا، رأينا في فلسطين تجربة مغايرة بحيث أصبح التقبّل جزءاً أساسياً من النقاش المجتمعي مع أنه لم يُطرَح كمطلب سياسي[3] من قبل الحراك المثلي الفلسطيني. على سبيل المثال، في السنوات الخمس الأخيرة من عمل القوس مع مجموعات من الناشطين، الأخصائيين، معلمين وطواقم مؤسسات المجتمع المدني في فلسطين لاحظنا ازدياداً كبيراً في استعمال مصطلحات "التقبّل."[4] على عكس الخطابات في الإعلام الاجتماعي التي يمكن تصنيف أغلبها كنتاج انكشافها على إنجازات حراكات مثلية عالمية، يمكن تصنيف خطاب التّقبل في الميدان كنتاج مباشر لخطاب تنموي "مؤنجز". يستحوذ هذا الخطاب على حيز كبير من النقاش على حساب مضامين التدريب التي تطمح إلى توسيع دوائر المعرفة والآليات التحليلية للقمع الجنسي والجندري ولا تهدف للوصول إلى "التقبّل". أحد أهداف تدريبات القوس المهنية[5] تكمن في التعامل مع المواقف الشخصية للمشاركين/ات حول هذه القضايا وتقاطعها مع أدوارنا الاجتماعية ومسؤولياتنا المهنية المختلفة، وذلك من خلال عرض وتفكيك مفاهيم أساسية في مواضيع التعددية الجنسية والجندرية، أشكال العنف الجنسي والجندري، وآليات الضبط والسيطرة المجتمعية على جنسانياتنا وأجسادنا. إنّ حصر مواقف الاختصاصيين النفسيين والمربين بين "المتقبل" و "غير المتقبل" يأخذ النقاش بعيدا عن هدفه الأساسي وهو تحليل وتفكيك دورهم (ودورنا جميعا) في تعزيز العنف ضد اشخاص يعيشون توجهات جنسية وجندرية مختلفة.

حصر النقاش في قطبية "المتقبّل" و"غير المتقبّل" للمثليّة والمثليين، ينقل المجموعة والمشتركين للحديث عن "آخر" مُتخيّل ومواقف المشاركين تجاهه بشكل قطبي  يتجاهل تركيبة مواقفنا من جنسانياتنا (وليس فقط من "الآخر")، ذلك بدلا من التعامل الصادق مع تماهينا مع مفاهيم ومبانٍ وسلوكيات قامعة جنسيًا وجندريا.

علاوة على ذلك، إن فكرة الفصل ما بين "المتقبّل" و"غير المتقبّل"، وخلق "الآخر المثلي/المتخيّل" تحصر الحديث فقط في المستوى الفكري "تقبّل/ وعدم تقبّل" والذي بدوره يحصر الحالة في موقف أخلاقي فقط، "أنا متقبّل معناه أنا "تقدمي" وأنا غير متقبّل معناه "أنا أقل تقدمية"، أو "تقدمي ولكن"،  أو "تقدمي ما عدا في مواضيع معيّنة". حصر الخطاب في المواقف الأخلاقية هذه ينقضي دون البَت في تبعيّاتها، والتي غالبًا تؤدي إلى الإقصاء وشرعنة العنف. أيضًا، حصر الخطاب ما بين تقبّل وغير متقبّل، ليس فقط ينتج آخرًا متخيّلًا، إنما أيضًا يشدد على أن هذا الآخر ليس طبيعيًا وليس جزءًا أصليًا من المجتمع، يعني بالإمكان أخذ موقف ضده، أو التشكيك بأمره، وهذا يعيدنا إلى بنائه أيضًا كأمر غير طبيعي، أو شاذ، وشرعنة اقصاءه وتعنيفه.

برأينا، استعمال خطاب التقبّل - بغض النظر عن أهدافه ومصدره - ما هو إلا إعادة إنتاج إطار سلطوي وليس تقدمياً، ينسب نفسيّة التفوّق الأخلاقي لصاحب سلطة التقبّل، يبرِز التقاطع بين الهوموفوبيا والغيرية البحتة والذكورية، ويموقع الفئات غير المرئية جنسياً في دوائر قهر متقاطعة (دوائر القهر السياسي والمجتمعي).إذ يرى  هذا الخطاب المثلية والمثليين بأنهم "آخر" يخضع لسلطة المغاير، لكن هذه المرة ليست سلطة الرفض، وإنّما سلطة التقبّل، ويفرز شكلاً جديدًا لعلاقة قديمة بين "المثلي" و"المغاير"  لا تعتمد فقط على قطبيّتها الهويّاتية، وإنّما في الأساس على تعزيز موقع "المغاير" في رأس الهرم الجنساني الاجتماعي مرة أخرى.

بالإضافة لذلك، يقترح خطاب التقبل أنّ موضوع التعددية الجنسية والجندرية هو موضوع ونضال "خارجي" لا يمت بصلة للنضال الجنساني، الاجتماعي والسياسي الأوسع. إنّ الإشكاليّات التي يحملها الخطاب حول التعددية الجنسية والجندرية داخل الأطر التقدمية، والتي تعيد إنتاج "المثلي" على أنه "الآخر"، ويموضع "الغيري" في موقع القوة والسلطة (وفي أغلب الأحيان يكون حتى مشروطًا)، يفرز نوعًا جديدًا من أشكال العنف المبطّن (التقبّل المشروط، التقبّل الطبقي). تبنّي مصطلحات "التقبل" والقبول" لا يعمل على تحدّي المباني القمعية الجنسية والجندرية، إنما ينشل الأفراد والجماعات والمؤسسات من مسؤوليتها المباشرة على تعزيز العنف والأفكار النمطية، ويحوّل اهتمامنا وطاقتنا من العمل الجذري على خلخلة هذه المباني إلى بناء علاقات سلطوية بطرق جديدة.

في كلمات أخرى ليس من نحو الصدفة أن في خطابات التقبل هنالك "مغايراً يتقبّل مثلياً"، وليس العكس. وهذا بحد ذاته أساس التراتبية وخلق سلطة التقبّل. المطلب هنا ليس فقط التفكير في موقفنا بخصوص "التعددية الجنسية والجندرية"، إنما رؤية هذا الموقف (التقبّل أو عدمه) من منظور بنيوي يسلط الضوء على تبعيّاته، أي علاقات القوّة التي يعيد تكريسها، وعلى الهويّات التي يموضعها، ونقل الحديث من "أنا كمتقبّل" أو" كغير متقبّل"، إلى أنا كجزء من شبكة تُصقل فيها هويّتي ومواقفي في الوقت الذي أنا أصقل فيه هوية غيري ومواضعه.

هرمية النضال الفلسطيني والهويات الفرعية

إضافة إلى تسلل خطاب التقبل إلى الأطر التقدمية واستعماله في النقاش المجتمعي حول التعددية الجنسية والجندرية، نود تسليط الضوء على خطاب إشكالي اخر يعود إلى نقاش "الأولويات" في السياق السياسي الفلسطيني المحلي وهو خطاب ما بعد حداثي  يعمل على إلغاء تجارب جنسية و جندرية مختلفة عن طريق نزع شرعيتها بحجة عدم أصالتها. جزء من الصعوبات التي تواجه أي حراك اجتماعي - سياسي، وخاصّةً الحراكات التي تعمل في سياق استعماري، هو تراكم كثير من الأولويات نتيجة تفاقم أوجه الظلم والاضطهاد، بالإضافة إلى مركزية جدلية القهر بين مباني القمع الاجتماعي وتلك السياسية الاستعمارية البحتة. بالرغم من أهمية الخطاب حول أولويات النضال المناهض للاستعمار، إلا أنه بات يستعمل كغطاء لأشكال قديمة-جديدة من العنف والإقصاء ضد فئات مختلفة من المجتمع، وخصوصًا المجموعات التي تعمل على مواضيع تخص الجنسانية والتعددية الجنسية والجندرية.

لهذا، الإشكاليّة الثانية التي نودّ تسليط الضوء عليها هي حجّة الأولويات وهرميّة النضالات، والنقد على الهويات الفرعية، التي تقوم بإعادة موضعة الجماعة في الأولوية على حساب الفرد، هويّاته، ورغباته. يفشل هذا الخطاب في فهم أهميّة حريّة الفرد في التعبير عن كل جوانب هويّاته ونضالاته، حيث يدرج حاملو هذه الفكرة حرية الفرد  تحت "الفردانية" وبالتالي في تضادّ مع "النضال الجماعي" وهو لبس خطير. وبكلمات كمبرلي كريشنو ،  ليس فقط أنّه "... ليس ثمّة تراتبية للقمع"، إنّما أيضا لا يمكن لأي جانب من هويّاتنا أن ينتفع بقمع جانب آخر بها، وتطوير مشروعنا السياسي كمساحة شمولية  لا تطلب من الفرد قمع هويّاته الأخرى على حساب الجماعة، هي ضرورة وأولويّة لأي مشروع تحرري. إنّ تعزيز الفرد مع هويّاته المختلفة، وربط الأشكال المختلفة من القمع الذي يمارَس من قبل قوى مختلفة على أفراد وجماعات مختلفة، يعمل بالضرورة على  تعزيز الجماعة (وضد "الفردانية[6]") ودورها في النضال ضد الاستعمار، الرأسمالية والطبقية والأبوية.

يفشل خطاب الهويات الفرعية وهرميّة النضالات في توسيع دائرة النقاش حول القمع الجنسي والجندري، ويزجّ مرة أخرى أشخاصاً يعيشون توجهات جنسية وجندرية مختلفة في خطاب هويّاتي ضيق (الذي ينتقده ذات الخطاب). في رأينا، إنّ هذا الخطاب يراوغ الهوموفوبيا ويأخذنا - قصدًا أو دون قصد - إلى رواية متخيّلة عن دور هؤلاء الأشخاص في النضال الفلسطيني. في هذه الرواية، يغدو المثليون والمتحولون مشغولين في هويّاتهم الجنسية والجندرية بطريقة لا تمكّنهم – بالضرورة – من وضع النضال التحرّري الفلسطيني في الأولوية عند الحاجة. يفشل هذا الخطاب في فهم التقاطعية بشكلٍ عميق، فيحوّل العلاقة بين الهويّات وأشكال القمع المختلفة لعلاقة سطحية وغير مركبة. القول بسيادة أولوية على أخرى هو تفريط بالعدالة وتدعيم للظلم، قالتها أيضاً أودري لورد: «لا يوجد نضال أحادي؛ لأننا نعيش حيوات ذوات قضايا متعددة».

لا يمكن للأطر التقدمية التعامل الجدّي مع التعددية الجنسية والجندرية إذا نظرت إليها كموضوع خارجي أو غير مهم،  فهذه المواضيع تخصّ كل شرائح المجتمع، ويجب أن تُستعمَل كعدسة إضافية للقمع الجنسي والجندري، وكأداة نتحدّى بها تماهينا مع مفاهيم جنسية وجندرية سلطوية. يجب علينا أن نعمل جادّين على نقد أدوارنا بتعزيز هرميّة التوجهات والسلوكيات الجنسية والجندرية عند استعمالنا لخطاب التقبل، وإعادة إنتاج آليات إقصاء أشخاص يعيشون توجهات جنسية وجندرية مختلفة من الحيز السياسي والاجتماعي عند استعمالنا لخطاب الهويات الفرعية وهرمية النضالات. فهمنا العميق للخطابات المستعملة حول التعددية الجنسية والجندرية في الأطر التقدمية وتفكيكها (كما مهم تفكيك الخطاب الأخلاقي والدين الذي يؤدلج الهوموفوبيا والقمع الإقصاء ضد أشخاص يعيشون توجهات جنسية وجندرية عن طريق المنظومة الأخلاقية والدينية)، قد تكون فرصة مهمة لتحدي المباني الاجتماعية التي تقدّس الغيرية البحتة، وتضع الغيري، والرجل في رأس الهرم المجتمعي، أو تطالب أشخاصاً بقمع هوياتهم من أجل الجماعة، والأهم قد تكون فرصة لمركزة العمل على القمع الجنسي والجندري كجزء لا يتجزأ من العمل المجتمعي والسياسي المناهض لشتى المباني القمعية، الاستعمارية والأبوية والاقتصادية.

هوامش

[1] نقصد في مصطلح "الدوائر التقدميّة" مجموعات أو الدوائر الاجتماعيّة التي ترى نفسها ك "منفتحة اجتماعيًا" أو خارجة عن البنية المجتمعيّة الثقافيّة السّائدة والتقليديّة. وتنحدر في المعتاد من خلفيّات يساريّة، أو ليبراليّة اجتماعيّة، أو وطنيّة علمانيّة، ويمكن موضعتها سوسيولوجيًا ضمن الطبقة الوسطى المُعَولَمة النّاشئة في فلسطين. ويركّز حديثنا في هذا السّياق على الأشخاص في مواقع النّاشطيّة الاجتماعيّة والسياسيّة في المجتمع الفلسطيني. أما التقدمية فهي فلسفة سياسية عامة تدعم أو تعمل لصالح الإصلاحات التدريجية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من خلال الإجراءات الحكومية.[1] ظهرت التقدمية الحديثة كجزء من استجابة عامة أكبر للتغييرات الاجتماعية الضخمة التي أحدثها التصنيع. ويقع هذا المذهب في منطقة يسار الوسط في الطيف السياسي وهو في مقابل مذهب المحافظين اليمينيين والمذهب الثوري اليساري، فالأول يقاوم التغييرات عامة التي يدعمها والأخير يرفض المنهج التدريجي. ٢ بالمعنى الدارج للكلمة "مؤنجزة" أحد المصطلحات المستخدمة لوصف مؤسسات المجتمع المدني التي غالبا ما تكون خاضعة لسياسات التمويل الليبرالي ويربط انتشارها زمنيا بالفترة اللاحقة لتوقيع اتفاقية أوسلو وما أسست له.

[2] انظر أكثر: حنفي، ساري. بروز النخبة الفلسطينية المعولمة: المانحون، والمنظمات الدولية، والمنظمات غير الحكومية المحلية. (بيروت: مؤسسة الدراسات المقدسية ومواطن- المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، 2006). و هلال، جميل. النظام السياسي الفلسطيني بعد أوسلو. (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1998)."

[3] محطات رئيسية في الحراك المثلي الفلسطيني – تجربة القوس 

[4]أنا ما عندي مشكلة مع المثليين بس بديش يكونوا موجودين بحياتي او أتعامل معهم".

بدرخان علي: "الانتخابات الحرّة" ليست شيئاً عظيماً، بعد خراب البلد

‫يأخذنا الباحث الكردي السوري بدرخان علي في هذه المقابلة في جولة نقدية حول الثورة السورية ودروبها المتشعبة، خصوصاً في المناطق ذات الأغلبية الكردية، التي تقع تحت سيطرة أحزاب كردية متعددة، تتضارب في المصالح والأهداف. ويتطرق إلى طبيعة العلاقة التي تربط حزب الإتحاد الديمقراطي PYD بالنظام السوري وبحزب العمال الكردستاني PKK في تركيا، وكذلك عن علاقة بقية الأحزاب الكردية بالسيد مسعود البرزاني رئيس إقليم كردستان العراق. وهو إذ يصف نفسه هنا بـ "أكثر المتشائمين"، لا يرسم بطبيعة الحال، صورة وردية عن مستقبل سورية ما بعد الأسد، إلا أن مكاشفته القارئ تلامس حيزاً كبيراً من هواجس كل سوري ومخاوفه المستقبلية.

م.د: ثمة لغط كثير حول مطالب الأكراد، هل لك أن تضعنا بصورة تفصيلية وواضحة حول المطالب الكردية الحقيقية؟‬

ب.ع: قبل اندلاع الثورة السورية كانت مطالب الحركة السياسية الكردية ترد إجمالاً في صيغ "الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي في إطار وحدة البلاد". وكان ثمة تشديد دائم على نفي تهمة الانفصال عن سوريا التي تلصق عادة بالحركة الكردية، وإبراز الدور الوطني للكرد في سوريا منذ الاستقلال حتى اليوم. وبالطبع التركيز على المظالم التي مورست بحق الكرد، مثل حرمان حوالي ربع مليون منهم من الجنسية السورية بموجب الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 الخاص بمحافظة الحسكة، وحظر اللغة والثقافة الكرديتين إلى التمييز في سلك الديبلوماسية والجيش، وإقامة "الحزام العربي" في محافظة الحسكة.
بعد اندلاع الثورة وتشكيل المجلس الوطني الكردي (إئتلاف يضم معظم الأحزاب الكردية والتنسيقيات الشبابية الكردية) طرحت صيغة حق تقرير المصير في إطار وحدة البلاد، واللامركزية السياسية، ومن ثم الفيدرالية والدولة الاتحادية. يلاحظ أن هناك تصوّراً كردياً غالب أنّ الفرصة مواتية لانتزاع أكبر قدر من المطالب القوميّة بعد سقوط النظام الحاكم. وفي ظنّي هذا رهان كبير، ولا يخلو من قدر غير محسوب من المغامرة، ويحصر المسألة الكردية في السلطة الحاكمة أو شخص الرئيس. ويغفل معطيات وعوامل عديدة في المسألة القومية الكردية في بعدها السوريّ.

م. د: ما هي العوائق التي تقف في طريق المطالب الفيدرالية الكردية؟

ب.ع: الحقيقة أن هناك جملة عوامل جغرافية، سكانية، محلية، سياسية، إقليمية تطرّقت إليها في كتابات سابقة سوف تعترض صيغة الفيدرالية المطروحة بمجرد سقوط النظام، لا بل من الآن. وستضطر النخبة الكردية نفسها إلى مواجهة الواقع كما هو، لا كما تشتهي. حتى الآن رغم كل الاجتماعات واللقاءات والنقاشات، ورغم إلحاح الجانب الكردي، ورغم رغبة قوى المعارضة في ضمّ الأحزاب الكردية إلى صفوفها، لم تبد أية جهة سياسية سورية موافقتها على هذه المطالب الفيدرالية، أي أنه لم يمكن حتى الآن انتزاع "اعتراف وطني-عربي سوري" بالحقوق الكردية وفق ما تطرحها القوى الكردية. وهو الأمر الذي تسبّب به الطرف الكردي برفع سقف مطالبه خلال الثورة، وكذلك بعض الأطراف في المعارضة التي لا ترى في المطالب الكردية سوى مشكلة عابرة لا تحتاج سوى إلى كلمات عامة، ناهيك عن وجود تيار قوميّ- شوفينيّ بكل معنى الكلمة داخل صفوف المعارضة اليوم.

وهناك لا شك عوامل عديدة سوف تحدّ من بقاء سورية دولة مركزية متشددة، بالمعنى الإدراي الإقتصادي-الأمني، أي بصورة تتيح للأطراف والمحافظات ممارسة سلطات أوسع في نطاقها المحليّ. لكني أرى أن تصبح سورية دولة لامركزيّة سياسياً ودستورياً، أمراً بعيد الاحتمال.

خلال فترة قصيرة من الإضطراب والفوضى قد تمارس سلطات الأمر الواقع من جماعات مسلّحة وقوى سياسية قدراً من سلطة سياسية محليّة. لكن ليس على المدى البعيد وعلى نحو مستقرّ. من جهة أخرى يبقى الأمر مرهوناً بمآلات الحرب القائمة في البلاد، وكيف ستنتهي، والارتدادات الإقليمية للصراع السوري.

م.د: هل يخشى الأكراد من أن تدير المعارضة السورية العربية لهم الظهر حال سقط النظام، وما الضمانات التي تطالبون بها لمنع ذلك؟

ب.ع: بلى، هناك تخوّف من هذا القبيل، ويستند هذا الخوف إلى ميراث الاضطهاد والتهميش الذي مورس بحق الكرد بعد مشاركتهم الفاعلة في نيل استقلال سورية عن الانتداب الفرنسي، كما يجري استحضار تجارب كردية خارج سورية وبشكل خاص المشاركة الكردية في معارك الاستقلال التركي ووعود كمال أتاتورك لهم بالحكم الذاتي والمشاركة في الدولة الجديدة، والتي أخلفها على الفور بعد نيل الاستقلال ومارس أشد السياسات عنفاً وشوفينية ضد الكرد في الجمهورية التركية التي سارت على نهجه في اضطهاد الكرد. كما مشاركة الكرد في "الثورة الإسلامية" في إيران عام 1979. وتهميشهم واضطهادهم بعد استقرار الحكم للملالي ورجال الدين. يعبّر أحياناً بعض الساسة الكرد عن ذلك، في لحظات الصراحة والوضوح، بالقول "لن نكون بندقية على كتف أحد" أو " ثوّاراً تحت الطلب". الثورة السورية أنعشت آمال الأكراد في سوريا في نيل حقوقهم، ودفعت النخب، باستثناءات قليلة، إلى رفع سقف مطالبها على شكل حكم قوميّ ذاتيّ موسّع (بصرف النظر عن التعبيرات)، من غير أن يطالب أحد بالانفصال عن سوريا. الضمانات المطلوبة المطروحة هي انتزاع اعتراف مسبق من الآن بتضمين الحقوق القومية الكردية، بالصيغة المطروحة، في الدستور القادم.

م.د: تحوّلت مناطق الأكراد إلى مناطق آمنة للاجئين السوريين من المناطق التي تعرضت لعنف النظام بعد احتضانها المعارضة المسلحة، فهل تضعنا في صورة الوضع الاقتصادي في تلك المناطق؟ وما صحة أن حزب العمال الكردستاني يدير الوضع الاقتصادي/ المعاشي بغض نظر من النظام؟

ب.ع: كان الوضع المعاشي في محافظة الحسكة ممكناً و مقبولاً، بشكل نسبي، حتى قبل بضعة أشهر وكان النازحون من المناطق السورية الأخرى يتمتعون بأمان. لكن مع اشتداد المعارك في المنطقة الشرقية والاشتباكات بين الجماعات المسلحة العربية والكردية في رأس العين (سري كانيه) والخراب في البنية الخدمية عموماً وحالة الفوضى وبروز العصابات التي تسطو على الشاحنات القادمة من حلب وغيرها، تدهورت الشروط المعيشية خاصة خلال الشتاء حيث البرد الشديد وانقطاع الكهرباء لساعات طويلة و أيام متواصلة أحياناً. وبسبب إغلاق المنافذ بين المحافظة والجوار، التركي والعراقي، حيث المعبر بين قامشلي ونصيبين التركية مغلق، والمعبر بين اليعربية (تل كوجر) السورية وربيعة العراقية مغلق أيضاً، ورأس العين تشهد معارك، والسلطات التركية كانت تسمح فقط للمسلّحين والأسلحة بالدخول لمجموعات مسلّحة مدعومة منها على الأغلب، قامت حكومة إقليم كردستان العراق بإرسال معونات إنسانيّة مقدّمة باسم رئيس الإقليم السيد مسعود بارزاني، تتضمن محروقات ومواد أساسية لأهل المحافظة عبر معبر غير نظامي بين حدود إقليم كردستان العراق ومدينة ديرك (المالكية) الكردية السورية، ودون موافقة الحكومة المركزية في بغداد. وكذلك السماح بإدخال معونات مقدمة من المواطنين وجمعيات وقوى سياسية عبر الإقليم. وقد شكّل هذا المعبر شريان حياة صغير للمنطقة ومازالت بعض المواد الأساسية ترد عبره. أما في المناطق الكردية الأخرى شمال حلب والرقة فالوضع هناك أسوأ، حيث منطقة عفرين مثلا (شمال حلب) محرومة من أية مساعدات إنسانية من الجهة التركية.

م.د: في مؤتمر القاهرة الذي أعد لوحدة المعارضة، حصل في نهايته خلاف عربي- كردي أرخى ظلالاً سيئة على العلاقة العربية الكردية عموماً وعلى وحدة المعارضة السياسية. هل ترى أن الخلاف بين العرب والكرد هو خلاف عميق الجذور من الصعب تجاوزه على المستوى السياسي فحسب، أي أنه عمودي، أم أنه خلاف مرهون بوجود الاستبداد ويزول بزواله؟

ب.ع: لا أودّ الحديث غير الواقعي بالتهويل عن متانة الوحدة الوطنية وإطلاق الشعارات الجميلة. وكما بيّنت في سؤال سابق، مشكلة الكرد وحقوقهم ليست مرهونة فقط بالنظام الحالي، ولا بالطبقة الحاكمة وحسب، حتى يكون إسقاطهما حلاً ناجزاً للمسألة الكردية. بالتأكيد، الاستبداد المديد، وثقافة حزب البعث القومية، وتغييب الحياة السياسية والحريات العامة أسهم في تعقيد القضية الكردية. كما أن تطورات المسألة الكردية في الجوار الإقليمي تلعب دوراً مؤثراً على الحركة الكردية في سوريا.

لكن الفرق الأساسي هو بين رؤيتين أساسيتين (مع استثناءات وتدرّجات في الجهتين): الكرد باتوا ينظرون إلى سوريا من منظورهم الكرديّ الخاص (ولذلك أسباب ومعطيات) أكثر من أي وقت مضى، أي كشعب ضمن شعب وإقليم ضمن دولة، وتحضر هنا تجربة كردستان العراق في المخيلة السياسية، في المقابل ينظر عموم السوريّون إلى الكرد من منظور عام، "الوحدة الوطنية" و"الشعب الواحد" و"أسنان المشط".

في تقديري: الواقع الذي سيفرز بعد سقوط النظام ونتائج الحرب المستعرة حالياً، والمخاض الإقليمي جراء الوضع السوري المتفجّر، والجدل القائم حول البدء بحل ما للقضية الكردية في تركيا وما سيتمخض عن ذلك، سيكون له دوراً كبيراً في تقرير حدود الحلّ السوري للمسألة الكردية. أي موازين القوى ومعادلات القوة الناتجة. الشعارات من الطرفين (سلباً أو إيجاباً) لن تفيد كثيراً، ولا "التطمينات" المتبادلة. رغم أهمية التواصل الأهلي وضرورة التنسيق بين المكونات الاجتماعية في المناطق المتداخلة من أجل تجنب الصراعات الأهليّة.

م.د: ثمة كثير من الأساطير تحاك حول حزب الاتحاد الديمقراطي (الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني) بين من يرى أنه يعمل لحساباته الخاصة مستغلاّ التحولات الحاصلة في سوريا والمنطقة، وبين من يرى أنه أداة بيد النظام السوري، وبين من يرى أنه يتحاور مع أنقرة من تحت السطح. كيف تقرأ واقع هذا الحزب الإشكالي في الانتفاضة السورية؟

ب.ع: القسط الأكبر من "الأساطير" التي تقال عن حزب الاتحاد الديمقراطي ( pyd) تعود إلى سياسته وسلوكياته بالطبع، لا إلى اتهامات من الآخرين. فالواقع أن سياسة الحزب في سوريا خاضعة تماماً للأجواء التي تسود العلاقة بين قيادة حزب العمال الكردستاني، خارج سوريا، والسلطة السورية. ولو قارننا مثلاً موقف الحزب في انتفاضة قامشلي 2004 مع موقفه الحالي لتوصلنا إلى ذلك. ففي العام 2004، كانت علاقة الحزب قد تدهورت مع دمشق بعد طرد زعيم الحزب السيد عبدالله أوجلان، من الأراضي السورية عام 1998 وتوقيع الاتفاقية الأمنية بين دمشق وأنقرة، التي تسمح لتركيا بالتوغل داخل الأراضي السورية لملاحقة مقاتلي الحزب. ورغم أن النظام السوري كان أقوى بكثير في 2004، ورغم أن الكرد كانوا معزولين عن بقية السوريين وفي المواجهة لوحدهم، كان حزب الاتحاد الديمقراطي، وإعلامه خصوصاً، يمارس تجييشاً كبيراً وتحريضاً غير مسبوقاً ضدّ النظام السوري، وبإغفال تام لإمكانات الكرد ومقدرتهم على خوض ثورة مستمرّة ضد النظام. إلا أن ذلك كان مطلوباً حينذاك من قبل قيادة حزب العمال الكردستاني للضغط على النظام السوري.

أما في الثورة السورية الراهنة، فنلاحظ لغة سلميّة غير مألوفة منهم تجاه النظام السوري، وبات الشباب المحتجّون ضد النظام السوري عملاءً لأردوغان!
لا أرى أن حزب العمال الكردستاني أداة بيد النظام السوري. إلا أن هناك استفادة متبادلة بين الطرفين. النظام السوري يستفز تركيا عبر الورقة الكردية مجدداً، ويسمح لقادة حزب الاتحاد الديمقراطي، واللجان الشعبية التابعة له، بالنشاط المستقل تماماً عن الحراك الثوري في البلاد، والكابح له في المناطق الكردية. من جهة أخرى، ازدادت وتيرة العمليات الهجومية لحزب العمال الكردستاني وشدّتها ضدّ الجيش التركي خلال فترة الأزمة السورية في خطوة أعادت إلى الأذهان الدعم الذي كان يتلقاه الحزب سابقاً من النظام السوري.

م.د: أين يكمن الانعكاس السلبي للحزب على القضية الكردية، خاصة أن هناك من يقول أن الحزب يعمل لاستغلال الأوضاع الحالية للهيمنة على الداخل الكردي لفرض رؤيته القومية؟

ب.ع: ليس من خطأ شنيع ارتكبه الحزب في سوريا بقدر محاولة فرض هيمنته الحزبية على الساحة الكردية، ولو كان ذلك بالعنف الصريح، والاعتداء الجسدي. وهذه، كما نفترض، وسائل غير مشروعة للعمل السياسي والدعاية السياسية ونيل الهيبة الحزبية. الشهوة للسلطة والتلهّف المبكر لها وللتسلّط، كان وراء كل الممارسات الطائشة والقمعيّة للحزب بشكل أضرّ به أيضاً، ووضعه في موقع حرج. كل ما عدا ذلك يخضع للنقاش والاختلاف.

لذلك لست مع نظرة تقول أنه بمجرد سقوط النظام السوري سوف تتوقف هذه الممارسات، بافتراض أن ذلك يجري خدمة للنظام السوري وبأوامر منه. موضوع حزب الاتحاد الديمقراطي وتشابكه مع وضع الـ (ب ك ك) في تركيا معقّد بعض الشيء. وهناك ثقافة قمعيّة ذاتية، وتربية شمولية، و"عبوديّة طوعيّة"، أي لا علاقة مباشرة لها بالموقف من النظام السوري، قد تستثمر في أية لحظة، والقاعدة الشعبية جاهزة للتلبية والتصفيق بطبيعة الحال، وللهجوم أيضاً.

م.د: الحوار بين حزب العمال الكردستاني وأنقرة الجاري الآن، هل تعتقد أن يكون له انعكاس على الداخل السوري وتوازن القوى، أي هل يمكن أن يبيع الحزب النظام السوري؟

ب.ع: بلا شك، سياسة حزب الاتحاد الديمقراطي يخضع بشكل مباشر لتأثير الحزب الأم (العمال الكردستاني. ما تزال المفاوضات في بدايتها وغير معلنة للرأي العام، سوى تسريبات من هنا وهناك. ولا نعلم كيف ستسير. وإذا ما قيّض لها النجاح بعد فترة، رغم الصعوبات الكبيرة والجمّة والملفات المرتبطة، سوف يلقى الأمر بظلاله على سياسة الاتحاد الديمقراطي في سوريا. أكبر تأثير إيجابي قد نجنيه في سوريا هو إعادة الاعتبار للسياسة والعقل، والعمل لمصالح الكرد السوريين أنفسهم، وتصالح أنصار حزب العمال الكردستاني السوريين أنفسهم مع مكانهم الواقعي والمحيط المعاش. وربما خلاص باقي أطراف الحركة الكردية من الابتزاز المزمن لحزب العمال الكردستاني.فحتى اليوم لم تكن قضايا الكرد السوريين أنفسهم على رأس أولويات المناصرين للـ pkk، لا قديماً ولا الآن.

م.د: في رأس العين، وبعد اقتتال بين الطرفين، عقد الجيش الحر وحزب الاتحاد الديمقراطي اتفاقية وشكلوا معاً "لجنة حماية السلم الأهلي والثورة". هل يمكن لهذا الأمر أن ينجح رغم الإيديولوجية المختلفة لكل منهما، والأجندة الخارجية المتضاربة لكل منهما أيضا؟

ب.ع: التفاهم الذي جرى في رأس العين (سري كانيه) كان بين وحدات الحماية الشعبية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي وتشكيل عسكري تابع لـ"الجيش الحر" والإئتلاف الوطني السوري، هو المجلس الثوري العسكري في محافظة الحسكة. ووقع هذا التفاهم بعد زيارة وفد برئاسة المعارض ميشيل كيلو ودعوات عدة من "الهيئة الكردية العليا" وقوى المعارضة وقيادة "الجيش الحر" لوضع حد للمعارك والاقتتال الدائر في رأس العين والذي تسبب بتشريد ومقتل الكثير من أبناء المنطقة ونهب البيوت.

لكن على الفور قامت جهات عديدة بمهاجمة الإتفاق، لا سيما ذات النزوع القومي- الطائفي مثل "جبهة تحرير الفرات والجزيرة" التي يقودها السيد نواف راغب البشير المدعوم من تركيا، والذي يضمر بعض رواسب النزاعات القبلية التي تعود للخمسينات بين عشيرته- البكارة- وبعض العشائر الكردية. ولم يعد يخفي السيد نواف البشير ميوله المعادية للأكراد. إلا أن المفاجأة كانت حين هاجم الجنرال سليم إدريس، رئيس أركان "الجيش الحر" التابع للإئتلاف الوطني الاتفاقية واعتبرها لاغية. من هنا لا أظن أن الصراع انتهى. إذ قد يتجدد بأشكال أخرى وفي منطقة أخرى.

م.د: في البيت الداخلي الكردي هناك طرفان أساسيان: المجلس الوطني الكردي المدعوم من أربيل ويحظى بشرعية دولية وعلاقات دولية مقبولة مقابل ضعف سيطرته على الأرض، والاتحاد الديمقراطي المدعوم من حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل والمفتقد لشرعية وغطاء دولي في حين لكنه يمسك بالأرض. هل ترى أن الاتفاق الذي وقعه الطرفان في أربيل وأسفر عن تأسيس "الهيئة الكردية العليا" هو اتفاق حقيقي، أم أنه اتفاق هش أو "زواج مصلحة" ولا يمكن التعويل عليه؟

ب.ع: الاتفاق بين الطرفين الكرديين جاء من أجل تطويق مخاطر حرب كردية-كردية ، حيث بلغت الرغبة لدى الطرف المهيمين على الأرض إلى إقصاء غيرهم بالعنف وفرض هيمنتهم القسرية بطريقة هستريائية، وممنهجة. إنه اتفاق أمر واقع وتجنباً لإراقة الدماء. خلاصة الاتفاق هو أن حزب الاتحاد الديمقراطي استطاع انتزاع الاعتراف الرسمي بكونه "الحزب القائد" عملياً، وهو كان مستعداً لإشعال حرب أهلية كردية من أجل تحقيق هذا الاعتراف، في مقابل إزاحة شبح الاقتتال الكردي- الكردي بعض الشيء. من هذه الزاوية المهمة نال تشكيل "الهيئة الكردية العليا" ارتياحاً كبيراً في الوسط الكردي، رغم الملاحظات العديدة. فالمسؤولية الوطنية والقومية اقتضت تنازلاً سياسياً من قبل الأطراف الكردية تجاه حزب الاتحاد الديمقراطي في هذه المرحلة الحساسة والحرجة.

م.د: من المعلوم أن إقليم كردستان برئاسة مسعود البرزاني يدرب جنودا أكراد انشقوا عن الجيش السوري، وهناك من يقول أن تدريب هذه الفرقة العسكرية يأتي في إطار إعداد ذراع عسكرية للمجلس الوطني الكردي لمواجهة حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يسيطر على الأرض. ما رأيك؟

ب.ع: حسب معلوماتي هي قوة عسكرية قليلة العدد مؤلفة من الجنود السوريين المنشقّين من الرتب الدنيا والمطلوبين للخدمة العسكرية، إذ لا يوجد أكراد برتب عالية في الجيش السوري، لكن بسبب الضجة الإعلامية التي أثيرت، يتوقع المرء أنه جيش كبير كأيّ جيش نظامي.

السيد مسعود بارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، لم يعرض على المجلس وطني الكردي تبني تلك القوة العسكرية الموجودة في كردستان العراق ولم يعرض إرسالها إلى سورية في أي لقاء مع قيادات المجلس في أربيل، حسبما سمعنا. لكن بالطبع، فور تداول الخبر حول إحتمال عودة الجنود المنشقين المتدربين في كردستان العراق إلى مناطقهم في سوريا، أعلنت قيادات الاتحاد الديمقراطي علناً رفضهم لقدومهم وعدم السماح بدخولهم، والتهديد بمقاومتهم أيضاً بحجة أنّ هذا الأمر سيكون سبباً لاقتتال داخلي كردي. و في هذا هم يتكلمون صحيحاً. إذ لا يمكن أن يرضى "الحزب القائد" بأي شيء يحد من نفوذه، ولو كلف ذلك اقتتالاً كردياً كردياً.
بغياب مركز قرار سياسي كردي موحّد هناك خطر كبير بالفعل من وجود قوتين مسلّحتين مختلفتين في نفس المنطقة.

م.د: بالإطار الأوسع، أي بما يتعلق بسوريا ككل، نقرأ لك انتقادات حادة أحياناً للمعارضة "الراديكاليّة" كما تسميّها. برأيك أين أخطأت المعارضة السورية في تعاملها مع الانتفاضة السورية؟

ب.ع: مع أنه أصبح النقاش حول هذا الموضوع بلا فائدة عمليّة بعد حصول ما حصل وخراب البلد، لكن للتوثيق والتاريخ فقط، يمكن القول أن الخطأ الجوهري الأساسي كان منذ الأسابيع أو الشهور الأولى للانتفاضة. أما الآن فلم يعد بمقدور أحد السيطرة على الوقائع على الأرض، بعد أن أصبح البلد كله مستنقعاً من الدماء و الدمار، وخرج الأمر من سيطرة المعارضة السياسية نفسها. بدون الدخول في التفاصيل أقول: أخفقت المعارضة السورية التقليدية والجديدة في تقدير قوّة النظام السوري و تماسكه، وبالتالي وقوعها في فخّ "الوهم البصريّ" الذي أشاعته الميديا من خلال نمذجة انتفاضتي تونس ومصر عربيّاً؛ أي أن كلّ نظام عربي يلزمه بضعة أسابيع ليسقط. هذا قبل أن تتحوّل بعض الفضائيات العربية المعروفة إلى منبر للمعارضة السورية الراديكالية، التي كانت تدفع الشباب المتحمس والثوار في الداخل إلى مزيد من الحماس، بل إلى التهوّر، وتقوم بتزيين ذهاب زهرة شباب سوريا إلى دورة العنف الجهنميّ و"محرقة" النظام. كما أخفقت المعارضة في البناء على شيء مهم وأساسي تحقّق فعلاً بعد انتفاضتي تونس ومصر هو عودة السوريين إلى السياسة والشأن العام. الأمر الذي غيّب لعقود في "سوريا الأسد".

كانت هذه فرصة تاريخية لا تعوّض ومكسباً كبيراً بالنسبة لشعب كالشعب السوري غيّب عن السياسة والشأن العام تحت حكم ديكتاتورية شنيعة. بيد أن المعارضة الراديكالية ولأسباب مختلفة أحياناً (الإخوان المسلمين في الخارج، الذين وجدوا أنفسهم أمام فرصة مؤاتية للانتقام من النظام، و النشطاء السياسيين، من المعتقلين السابقين الذين ذاقوا الويلات في سجون النظام ،من بعض التنظيمات اليسارية والقومية، وبعض الشباب المتحمّس قليل الخبرة السياسية) وجدت في ذلك فرصة للذهاب إلى أقصى المطالب فوراً ظناً أنه "أقصر السبل". من هنا تفرّعت كلّ المشكلات برأيي.

لا أغفل أننا لسنا في لعبة شطرنج، نختار ما نشاء من خطط وحركات. ونهمل أشياء أخرى، ولسنا في شروط صحيّة تسمح لنا بالتفكير البارد، ولا الواقع يسير بناء على تفكيرنا وبرامجنا. غير أنه كان للحسابات الدقيقة والمدروسة في بداية الانتفاضة أن تنقذ السورييّن من هذه الكارثة الإنسانية التي يعيشونها منذ سنتين، أو تقلّل من حجمها وعمقها. لا ننسى بالطبع أن رعونة النظام ووحشيّته اللامحدودة تتحمل المسؤولية الكبرى عما جرى وما سيجري لاحقاً. ليس من خلاف كبير حول تشخيص النظام، كونه أكبر عصابة منظّمة ومسلّحة ومستولية على مقدرات البلد. الخلاف هو حول سبل المواجهة و الحلول، والخسارة والربح. وأصارحك أنني لا أعرف شيئاً في العالم يستحق كل هذه التضحيات العظيمة بما فيها "الديمقراطية". لا شيء خلف التلّة. "الانتخابات الحرّة" ليست شيئاً عظيماً، بعد خراب البلد.

م. د: كيف تقرأ المستقبل السوري إذن؟

ب.ع: ليس مبشّراً على أية حال، حتى وفق أكثر السيناريوهات تفاؤلاً، إن بقي هناك متفائلون أو سيناريوهات لحلول قريبة. ليس هناك حل سياسي متوقّع للاستعصاء السوري الدموي. ولا حسماً عسكرياً قريباً. برغم رفع درجة التمويل العسكري للجماعات المقاتلة، في الآونة الأخيرة، بدرجة غير كافية للحسم. ولا ترضى أميركا بحسم سريع. بل نتوقع اشتداد ضراوة المعارك وازدياد منسوب العنف وضحاياه.

وهذه ليست مهمة أميركا ولا أوربا على أية حال. ولا يمكن لومهم أيضاً، إذ ليس من مهمة الأميركان وغيرهم إحصاء عدد القتلى السوريين. هناك أشياء واقعيّة أهم بكثير: أمن إسرائيل، خطوط الطاقة في الشرق الأوسط، الاقتصاد الأميركي، إيران وملفها النووي، التنظيمات الجهادية المعادية لها، الخ…

كان أكثر المتشائمين، مثلي، يقول أن النظام السوري لن يسقط إلا بسقوط الدولة بأكملها معه. الآن نحن أمام حالة رهيبة وأشد خطورة: انهيار الدولة وبقاء السلطة! حتى في المناطق المحرّرة (الأدق أن نقول مناطق منكوبة) والتي تغيب فيها الدولة تماماً بأبسط أركانها (ماء، خبز، كهرباء، وقود) هناك "حضور" ما للسلطة بشكل متقطع: صواريخ السكود وطائرات الميغ بين الفينة والأخرى!
أن نقترب من سقوط السلطة الحاكمة لا يعني أن أهداف الثورة قد تحقّقت. فور سقوطها (لا أدري متى) سوف يتعيّن على السوريين إعادة بناء الدولة نفسها، ولملمة أشلاء المجتمع المحطّم، ولن يكون الأمر سهلاً في أي حال من الأحوال. بعد ذلك يمكن الحديث عن إمكان (فقط إمكان) تحقيق الديمقراطية، والحريات والعدالة وحكم القانون ودولة المؤسسات.
وفي ظني أن لحظة سقوط بشار الأسد وسلطته الفاشيّة لن تجلب للسوريين تلك السعادة المتوقعة، بمن فيهم من ضحّى أكثر وفقد أعزّاء من أسرته أو شرّد من بيته على يد هذه السلطة. هي لحظة عابرة وسنفتح أعيننا جميعاً على خرابٍ عميم، وسيتساءل كثيرون: أمن أجل هذا قُتِل أولادنا، وهُجّرنا وشُرّدنا ودمّرت بيوتنا؟.

*بدرخان علي: اسمه الأصلي "آزاد علي"، كاتب وباحث سياسي سوري، من مواليد مدينة القامشلي 1978. درس في جامعة حلب، كلية الطب البشري، وتخرج عام 2004، ومقيم منذ العام 2010 في السعودية. يكتب بدرخان علي في صحف كردية وعربية عديدة حول الشأن الكردي و السوري وقضايا فكريّة تتعلّق بالعلمانيّة والديمقراطيّة. شارك في الكتابة في أول المواقع الكردية في سوريا "موقع عامودا"، وفي العام 2005 انضم لأسرة تحرير مجلة "الحوار"، وهي فصلية ثقافية كردية تصدر باللغة العربية تهتم بالشؤون الكردية وتهدف إلى تنشيط الحوار العربي الكردي، تطبع وتوزع سرّاً منذ عام 1993. يقوم حالياً بإعداد كتاب عن المسألة الكردية في سوريا، يتضمن سجالات مع مثقفين وسياسيين عرب وكرد.


[ نشر الحوار في موقع "مراسلون" Correspondents.org وتعيد “جدلية” نشره]‬
‫ ‬