استراحة مخيّم: روايات من مخيم الرشيدية والبحر

???? ??????? ????????? ???? ??????? ?????????

استراحة مخيّم: روايات من مخيم الرشيدية والبحر

By : Dictaphone Group مجموعة الدكتافون

لا نعرف الكثير حول سبب تواجد المخيمات الفلسطينية حيث هي اليوم. كما لا نعرف المسارات التي اتخذها سكانها من فلسطين إلى تلك المخيمات. كثيراً ما نظن أنّ اللاجئين، نقلوا عند وصولهم، مباشرة إلى الخيام التي أصبحت في وقت لاحق "مخيمات." انطلاقاً من أفكار حول اللجوء وسُبل كتابة تاريخ مغاير للمخيمات الفلسطينية في لبنان، عملنا في مجموعة الدكتافون على مشروع "استراحة مخيم" الذي تم تطويره بتكليف من مقر دار النمر للفن والثقافة في بيروت خلال فعاليات مهرجان قلنديا الدولي لعام 2016.

عملُنا في مجموعة الدكتافون هو مزيج من الفن الحيّ مع البحث المتعدد الحقول. يتشابك البحث والفن الحيّ منذ الفكرة الأولية للمشروع ثم أثناء تطويرها ولاحقاً في مشاركتها مع الناس. من هذا المنطلق وعلى غرار العديد من المشاريع الفنية التي تنجز مع مجتمعات محلية بدلاً من المشاغل الفنية، تكون منهجية المشروع بأهمية نتيجته.

اهتماماتنا الشخصية والفنية هي أن نبحث بأماكن مهمشة خارج مركزية العاصمة وأن نحكي عن علاقتنا وحقنا بالوصول للبحر والاستمتاع به كمكان عام مفتوح للجميع. في صيف ٢٠١٢ قدمنا مشروعاً كان عنوانه "هذا البحر لي" دعى الجمهور إلى رحلة بقارب صيد من ميناء عين المريسة الى دالية الروشة المتنازع عليها. كان المشروع عبارة عن رحلة على قارب يتوقف عند كل موقع على الشاطىء ليحكي قصته والقوانين التي ترعاه والتعديّات عليه وكيفية استعماله من قبل الناس. في عام ٢٠١٥، قدمنا مشروعاً بالاشتراك مع مجموعة شبابية وناشطة من مدينة صيدا تحت عنوان "مشي تَ دلّيك" حول علاقة سكان صيدا بالمساحات المشتركة والتغيّرات التي تطال مدينتهم من خلال التخطيطات والمشاريع التي تترك تغييراً جذرياً بالأحياء وبشكل خاص على شاطئ صيدا.

يستكمل "استراحة مخيم" اهتمامنا بالبحث في علاقة الأفراد والمجموعات بالبحر وبحيّزهم الطبيعي. المشروع هو عبارة عن تركيب فيديو قمنا بتطويره مع أربعة من سكان مخيم الرشيدية. صوّرنا مساراتهم اليومية من منازلهم باتجاه البحر حيث قادنا كل مُشارك ومُشاركة نحو المشهد الأخير ليختار مكان تواجده مع خلفية البحر. نسج هؤلاء، على طول الطريق، قصصاً عن تاريخ الأرض ووصولهم إلى المخيم وصراعهم للعمار والحياة اليومية في مخيم مفصول عن المدينة تحدّه حقول زراعية والبحر.

يُعرض هذا العمل في غرفة صغيرة حيث يجد الجمهور نفسه وسط أربع قصص تبرز كل واحدة منها على حائط في الغرفة. يبدأ التصوير في منزل كل واحد من المشاركين ثم ينتقل معهم في أزقة وشوارع المخيم حتى الوصول إلى البحر.

أملى تواجُدنا في مخيم الرشيدية في تلك الأيام المحددة نتيجة المشروع. اللقاءات التي أجريناها مع أناس مختلفين كنا قد التقيناهم عن قصد أو عن طريق الصدفة كشفت لنا فضاءات المخيم من خلال الحياة اليومية هناك. كزوار للمخيم، كان ملفتاً لنا التناقض بين انفتاح المكان على البحر والحقول الزراعية المجاورة مع مدخل المخيم الذي هو كناية عن نقطة تفتيش للجيش ونقاط المراقبة التي تضم حتى شاطئ البحر. وضّح هذا التناقض في المكان القمع الملثم والحرية الوهمية التي تعطى لسكان المخيم.

تاريخ الأرض والوصول إلى المخيم

"بحصار المخيمات، لولا البساتين كانت الناس ماتت من الجوع." هكذا يحكي سكان مخيم الرشيدية الذي يقع على الساحل اللبناني جنوب مدينة صور. مخيمٌ محاط بأراضٍ   زراعية وبساتين حمضيات، جميعها تُروى من قنوات مياه تاريخية مصدرها منطقة رأس العين.

يحتضن الموقع برك رأس العين لمياه الشفة، اثنان منها في تلة الرشيدية والتي تعد أحد أقدم العيون على الساحل اللبناني.1 كما تشكل منطقة رأس العين وتلة الرشيدية جزءاً أساسياً من "صور القديمة" التي امتدت على الساحل. سَكنها أهل صور قديماً لكثرة المياه فيها وإمكانية زراعتها، فيما تركوا صور التي نعرفها اليوم مكاناً للحكم والعبادة. يُروى أنّ اسكندر المقدوني هدم صور المبنية على تلة الرشيدية لأن الكاهن رفض إدخاله إلى المعبد. ما تبقى من صور القديمة هي قرية الرشيدية.2

خلال سنوات الانتداب الفرنسي، وهبت السلطات الفرنسية أراضٍ كثيرة في مدينة صور للوقف الكاثوليكي.3 من ضمن هذه الأراضي الموهوبة كانت أراضٍ  على تلة الرشيدية التي كانت تحوي كنيستين. هنا أنشأت السلطات الفرنسية في العام 1936 مخيماً لمئات اللاجئين الأرمن الفارين من المجازر في منطقة كيليكيا. وصول اللاجئين الأرمن تبعه بعد حوالي العقد من الزمن وصول اللاجئين الفلسطينيين. روَت لنا امرأة مسنّة من الرشيدية، أنها وصلت هي وعائلتها في البداية من شمال فلسطين إلى بلدة مارون الراس الجنوبية: "من مارون الراس رحنا على بنت جبيل ومن هونيك على البص بمدينة صور. لقانا القائم مقام. كان في قطار يوصل لهون. نطرناه. ركبنا فيه صوب سوريا. وصلنا على حما، لقينا سيارات أخدتنا على الجامع. كان في كتير فلسطينية، قعدنا ٧ أيام. جابوا سيارات وسألوا كل واحد شو بيشتغل وأخدوه على بلد يشتغل فيها. أبوي قال بده يروح على الشام. قالوله ممنوع. رحنا على حوران. رجعنا على الشام وبعدين حملنا حالنا ورجعنا على لبنان وقعدنا ببلدة تبنين لأن كان عنا قرايب فيها".

ولكن في العام 1950 أي بعد بضع سنوات من سكنهم في القرى الجنوبية - اتخذت السلطات اللبنانية قراراً بإجلاء الفلسطينيين القاطنين في القرى الجنوبية (تبنين والمنصوري والقليلة وبنت جبيل وغيرها) ونقلهم إلى مخيمات، من ضمنها مخيم أنشأته في محيط المخيم الأرمني القديم. كان عبارة عن شوادر. قام الأهالي بتثبيت الشوادر عبر بناء حيطان من طين وتراب. كانت الحمّامات مشتركة؛ حمام لكل ثمانية بيوت على بعد خمسين متراً من البيوت.

بعد مرور حوالي العقد على مجيىء الفلسطينيين، بدأ اللاجئون الأرمن بالرحيل وأخذ الفلسطينيون مكانهم". كان هناك 311 بيتاً أرمنياً، بقي منها 200 بيت. وهذا ما يُسمى اليوم بالمخيم القديم.

أما المخيم الجديد، فقامت ببنائه منظمة الأونروا في العام 1963 لإيواء اللاجئين الفلسطينيين الذين كانوا يسكنون في "ثكنة غورو" في بعلبك. قررت الحكومة اللبنانية إخلاء الثكنة، وتم بناء "المخيم الجديد" في الرشيدية على مقربة من "المخيم القديم". كان عبارة عن شبكة طرقات عمودية وأفقية، فيها وحدات سكنية، كل منها ذات مساحة 99 متر مربع تحتوي على ثلاث غرف وحمام وساحة. انتقل إليه سكان ثكنة غورو، بالإضافة إلى البعض الذي ترك المخيم القديم للسكن هنا. لكن الغرف كانت صغيرة والسقف منخفض جداً. مع الوقت، أغلبية العائلات هدمت هذه البيوت وعمرت بديلاً عنها.


على مر العقود، عمل جزء كبير من سكان الرشيدية في البساتين المحيطة، إمّا في الضمان الموسمي أو كعمال مياومين، واستفادوا بذلك من كثرة المياه في المنطقة. يشرح أبو حسين، أحد الأشخاص الذين عملنا معهم في هذا المشروع:
"لو ما عنّا ميّ بالمخيم ما كنا عشنا. عنا ميّ كتير ومن زمان: قنايا راس العين ونهرين وبرك. من البرك منضخ ميّ للخزان ومن الخزان للشبكة وبعدين للبيوت والأراضي الزراعية."

بعد العام 1969 وإعطاء الشرعية لوجود منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، عمل سكان الرشيدية في أراضي الجفتلك المحيطة بالمخيم من دون دفع رسوم الضمان. كل مزارع اختار أرضاً وزرعها وباتت عرفياً تعتبر ملكاً له. فأراضي الجفتلك ذات ملكية عامة، منها أملاك لوزارة المالية ومنها للتربية وأغلبيتها ملك للجمهورية اللبنانية. لكن زراعة أراضي الجفتلك اقتصرت على الحشائش: علت، فاصوليا، خس، بقدونس، كزبرة، فجل، وغيرها. وذلك، بسبب عدم ملكيتهم لهذه الأراضي، مُنعوا من زراعة الأشجار المثمرة فيها. فبحسب قانون الملكية اللبناني، من يزرع شجرة يملكها.

اليوم، تخضع هذه الأراضي الزراعية التي يتميّز بها المخيم لتحوّلات كثيرة بسبب معركة العمار بين أهالي المخيم والسلطات اللبنانية.

\"\"

معركة العمار

بسبب قربه إلى فلسطين وموقعه على الشاطىء، لطالما حمل البحر فدائيين من الرشيدية في قوارب إلى إسرائيل للقيام بعمليات عسكرية، فتعرّض المخيم لهجمات إسرائيلية عديدة، أبرزها في 1973، 1978، 1982 حيث تم تدمير 600 ملجأً ونزوح خمسة آلاف نسمة.4

بعد العام 1985، قامت الدولة اللبنانية بالسيطرة الكاملة على مداخل المخيم واقتصر دخول السكان على مدخل واحد يحرسه الجيش اللبناني. هذا الحصار يعيشه المخيم حتى اليوم، ويأخذ أشكالاً مختلفة. مُقيّد ضمن حدود واضحة والبحر، ليس بإمكان المخيم أن يتوّسع عمرانياً، إنما يحصل ذلك على حساب المساحات المشتركة، مثل ملعب كرة القدم وشاطىء البحر، وعلى حساب الأراضي الزراعية.

"أول ملعب فوتبول بالمخيم كان هون، بقلب المخيم. كان حلو لأن كنا نقعد على البرندات ونتفرج على الماتش ونشجعهم. بعدين صار المخيم يضيق علينا، وبلشت هالناس كل شوي تعمر على أرض الملعب. هلق بطل موجود. صار فيه بدل منه ثلاثة، بس كل واحد عملته منظمة. القديم ما كان محسوب على حدا. أهل المخيم هنني يللي عملوه." هكذا روَت منى، التي تسكن بالقرب من حيث كان ملعب كرة القدم الأول في المخيم. حدثتنا أيضاً عن بدء عمليات البناء في هذه الأيام على الأراضي الزراعية. "الطلب على البيوت عم يزيد، خصوصاً مع مجيء اللاجئين من سوريا. صار مربح أكثر الواحد يعمر ويأجر من أنه يزرع. شوفي حارة الكواكنة مثلاً، كانت زراعية واتعمرت. صاحب الأرض سوّرها من شي عشر سنين (وضع يد يعني) وصار يزرعها. من خمس سنين صار يعمّر فيها. يعمل غرف ويأجر للمهجرين السوريين. هو بالأساس عمّر الغرفتين استراحة. بس ما مشي حاله. أجرهم بعدين سكن. وكمان صار يبيع شقف أرض والناس تعمر." منى وغيرها كثر أيضاً حكوا عن شاطىء الرشيدية.

تعرّض شاطىء صور ومن ضمنه شاطئ الرشيدية الى عملية شفط الرمول خلال الحرب الأهلية. عرّض هذا البيوت المواجهة للبحر الى خطر الهدم والتلف بسبب الأمواج. يواجه سكان المخيم هذه المشكلة من خلال بناء جدار بين البيوت والواجهة البحرية باستخدام الردميات الناتجة عن عمليات حفر الطرقات. بالرغم من قباحتها، فهي حل مناسب لأنها لا تكلّفهم شيئاً سوى نقلها. سكان الواجهة الأمامية في معظم الأحيان هم الأفقر في المخيم. اختاروا السكن على الشاطىء لتدنّي سعر الأراضي فيه. روى لنا صاحب استراحة على البحر: "أهلي دوّروا على الرخص مش على البحر." كما شرح أن جزء كبير من بحر الرشيدية الآن عبارة عن ردميات مكدسة على طول الشاطىء، بالإضافة إلى نفايات يتم إلقاؤها في قنوات المياه التي تصب في البحر، ليعود الموج ويلقيها على الشاطىء. الأونروا لا تقوم بتنظيف الشاطىء. يقتصر عملها على تجميع النفايات من الحاويات الموّزعة في الأحياء، لترميها لاحقاً في المكب المتواجد على أطراف المخيم. يتم نقلها فيما بعد الى مكب في بلدة قانا، وذلك بعد أن تمّ إغلاق مكب راس العين الغير صحي والموازي للبحر في العام 2015.

معركة العمار أيضاً تعقدت بقرار الدولة اللبنانية منع إدخال مواد البناء إلى المخيم من دون الحصول على تصريح، مما يأخذ وقتاً طويلاً وفي معظم الأحيان لا يُمنح. يصف سكان المخيم. هذا المنع على أنّه تواطؤ بين المنظمات الفلسطينية وبين السلطات اللبنانية التي تعطي تراخيصاً فقط للنافذين في المخيم الذين بدورهم يبيعونه للسكان بأسعار مضاعفة. معركة العمار تطال مخيمات الجنوب كلها. آخرها كان خبر إصابة شخصين أحدهما شرطي في بلدية صور والآخر فلسطيني من سكان مخيم البصّ، على خلفية محاولة إدخال مواد بناء إلى المخيم من دون تصريح.

هذه الحكايات بالإضافة للكثير غيرها كان قد عبّر عنها المشاركون الأربعة في مشروع "استراحة مخيم." أردنا العمل على مادة بحثية تساهم بصياغة خطاب مختلف عن المخيمات الفلسطينية في لبنان.

المشاريع المجتمعية

المشاريع المجتمعية ليست ببسيطة. السياسات الأخلاقية للمشروع تكون من خلالها على المحك. كيف يمكننا أن نخلق فناً مع المجتمع المحلي وليس فقط عنه؟ كيف يمكننا تمثيل الناس بالطريقة التي هم يريدون أن يتم تمثيلهم بها مع الحفاظ على فكرة العمل الفني؟ هذه الأسئلة تصبح ملحة أكثر حين نتعامل مع مجتمع مهمش أرادت دولتنا أن تعطينا امتيازات عليه.

العمل مع مجتمع محليّ يعني أن نسمح للقاءات أن تحدث وللعمل الفني أن يتغيّر وللجدول الزمنيّ أن يتم تحويله وللقصص أن تُكتشف من خلال اكتشافنا للمكان. على سبيل المثال، كانت فكرتنا الفنية أن ندعو كل شخصية مشاركة في المشروع إلى أن تصمم المشهد الأخير في الفيديو وتختار خلفيتها مع البحر. في الواقع، لم يتجاوب أحد مع هذا الاقتراح لأسباب عديدة كإرادة الابتعاد عن النظرة الرومانسية للبحر والقرب الجغرافي من فلسطين.

العمل مع مجتمع محلي يعني أيضاً أن نبحث عن الأسباب الشخصية والسياسية وراء تقاسم هذه الحكايا معنا واحترام هذه الأسباب مع إبقاء مسافة نقدية في تعاطينا معها. تقول إحدى الشخصيات المشاركة إنّ غرضها من مشاركة الناس لقصة وصولها إلى المخيم وللعنف الذي كانت عائلتها ضحيته خلال حرب المخيمات مع أحزاب لبنانية أنّ على الفلسطينيين أن يروا قصصهم كي لا تموت معهم.

مثل العديد من مشاريع مجموعة الدكتافون، وجدنا أنّ سرد تاريخ المساحات هو مفتاح لفهم الحالة الراهنة للأمور. روايات الفلسطينيين الذين هُجروا إلى لبنان في عام 1948 تكشف عن وجود نقص في التنظيم من قبل الدولة اللبنانية التي نشهده حالياً مع اللاجئين السوريين الذين يصلون بأعداد كبيرة منذ عام 2011. تروي أم خليل وصولها إلى سوريا بعد أن توقفت مع عائلتها في لبنان وبالتالي أجبرتهم السلطات السورية العودة إلى لبنان إذ كان هو أول ميناء لوصولهم. اليوم تُعرف هذه الممارسة باسم «قانون دابلن» الذي ينص على ترحيل اللاجئين إلى أول ميناء حيث تم تسجيلهم في أوروبا بغض النظر عمّا يفضلون أو يخططون له.

نذكر من خلال هذا المشروع أن تجاهل آلام وخيارات الناس والعنصرية المتعمدة وشيطنة اللاجئين في القرى والمدن اللبنانية، والدعوات لتجميعهم في مخيمات يتم السيطرة عليها بسهولة وبالتالي الهجوم عليها بسهولة، ليس بشيء جديد. في حين أن العالم كله مشغول بمناقشة ما يسمونه أزمة اللاجئين، نأمل أن نتذكر أهمية الاستماع إلى أولئك الذين هم بأنفسهم في قلب هذه الأزمة. كما ونأمل أن نتذكر أن ترك الناس في طي النسيان مع موارد وحقوق قليلة ليس حلاً بل عدم وجود
أي حل.

 

لقراءة هذا المقال باللغة الانجليزية، اضغط/ي هنا


بحث وإدارة فنيّة وكتابة المقال: تانيا الخوري وعبير سقسوق
كاميرا: كرم غصين
مونتاج: علي بيضون
تصميم صوت: مجد الحموي
المشاركون: حسين الزيني وخديجة المصري وحسن عجاوي وزهراء فاعور

مصادر البحث
1 من تقرير عن برك رأس العين من إعداد "الجنوبيون الخضر"
2 جميع المعلومات عن صور القديمة استندت الى مقابلة قمنا بها مع المهندس والباحث نصر شرف الدين في حزيران 2016
3 من مقابلة قمنا بها مع المهندس والباحث نصر شرف الدين في حزيران 2016
4 Rebacco Roberts, Palestinians in Lebanon: Refugees Living with Long-Term Displacement, Journal of Refugee Studies (2011)24 (2): 416-417

- مقابلات مع سكان من مخيم الرشيدية
- صوَر جويّة وخرائط
- إفادات عقارية من الدوائر العقارية في مدينة صور
- مقابلات مع المهندس نصر شرف الدين والمهندس والباحث اسماعيل الشيخ حسن والمهندسة والباحثة لينا أبو رسلان
- تقرير الأونروا عن مخيم الرشيدية

 

  • ALSO BY THIS AUTHOR

    • Camp Pause: Stories from Rashidieh Camp and the Sea

      Camp Pause: Stories from Rashidieh Camp and the Sea
      We know very little about why Palestinian camps are located where they are in Lebanon. We also know little about the trajectories of their communities. We often assume that, upon their arrival, refug
    • مقدمة: البحر من هنا

      مقدمة: البحر من هنا
      "لا يقتصر الحقّ في المدينة على حريّة الفرد في الوصول إلى الموارد المدينيّة، بل هو الحقّ في تغيير أنفسنا من خلال تغيير المدينة وفقًا لرغباتنا... فحريّتنا في إنتاج مُدننا وإعادة إنتاجها تُعتبر أحد
    • هذا البحر لي

      هذا البحر لي
      [تنشر جدلية بالاشتراك مع مجموعة الـدكتافون ومؤسسة "آرت-ايست" نصوصاً تتناول الحق في الوصول إلى الشاطىء في العالم العربي تحت عنوان "من هنا البحر". نشرت هذه النصوص باللغة الانكليزية

غبار الشجاعيّة


”رضينا بالهمْ والهمْ ما رضيش بينا.“

جلست ابتسام  تضحك في الغبار وحجابها المطرّز بالورود يؤطر وجهها العريض اللمّاح. لقد شهدت من الهم في خمس وأربعين سنة عاشتها في غزّة ما يجعل الضحك ردة الفعل الوحيدة.

مات زوجها في الانتفاضة الثانية بعد أزمة ربو سبّبها الضغط النفسي الذي تعتقد هي أن مصدره كان صوت دبّابة تقصف. ترك لها أربعة أولاد ربتهم هي. وقامت بذلك في بيت تسكنه أربع عوائل. محاط بأشجار الزيتون وقن دجاج وحديقة صغيرة زرعت فيها الصعتر البرّي.

لم يعد هذا البيت موجوداً. لا هو ولا حيّ الشجاعية، وذلك بسبب القنابل والجرّافات الإسرائيليّة أثناء عمليّة الدرع الواقي ضد غزّة في صيف 2014.

وكانت تلك ثالث عملية عسكريّة إسرائيلية شاملة النطاق ضد غزة منذ سيطرة حماس على القطّاع عام 2007. قتل الإسرائيليّون أثناء حملة القصف والاجتياح البرّي أكثر من 2100 فلسطيني بحسب الأمم المتّحدة، 70٪ منهم من المدنيين، ومن بينهم خمسمئة طفل.  وأصيب أحد عشر ألف. كما عثر تقرير الأمم المتحدة في حزيران عام 2015 على أدلّة تثبت ارتكاب جرائم حرب.
\"\"

[رسمة ابتسام]

ومع أن غزّة كلّها عانت أثناء الحرب، فإن حي الشجاعيّة تعرّض لتدمير استثنائي. عجز مترجم من غزّة، وهو رجل نحيف ساخر في الثلاثينيّات، عجز عن العثور على كلمات يمكنها أن تصف ما رآه هناك. ثم استقرّ على كلمة واحدة: «الجحيم. هل سأموت هنا؟» هذا هو السؤال الذي خطر بباله أثناء الحرب. «هل سأُتْرك تحت الشمس، منتفخاً، دون أن يحمل أحد جثتي؟»

امتد التدمير إلى الصناعة والبنية التحتيّة. فقد دمّرت إسرائيل، بحسب تقرير أعده الإتحاد الدولي لوكالات التنمية، شبكات المياه والجامعات ومحطّات ضخ المياه الثقيلة وأكثر من مئة معمل. ما زال خزّان الوقود الرئيسي في محطة كهرباء غزّة مهدماً. وقد ترك انعدام الأدوات الاحتياطية ربع السكّان بدون كهرباء. غرقت المستشفيات في الظلام ولم يكن بإمكان أهل غزّة العثور على أحبّتهم وكانت هناك شحة في الماء والطعام.

دمّرت الحرب 18 ألف وحدة سكنيّة وتركت 108 آلاف مشرّدين. قالت إبتسام إنّ الأنروا لم تساعدها، لكن منظمة المعونة الإسلامية أنقذتها. وهي تعيش الآن مع أولادها في «كرڤان» وفّرته وزارة العمّال في غزّة بعد بيع ركام بيتها مقابل 700 شيكل. ولأن راتب أرملة وابن واحد يعمل بشكل يومي لا يكفيان فقد اضطرّت إلى الاستدانة وتراكمت ديونها لكي تطعم وتكسو أطفالها. في بعض الأيام تقتات العائلة بأكملها على الخبز لوحده.

”نريد أن نقول للعالم بأننا مثلهم“ تقول ابتسام. ”لا نريد الحروب. لا نريد الحصارات. ولا نريد السلام لشهر واحد فقط، بل للأبد.“
\"\"

[رسمة مترجم من غزّة]

وبعد مرور حوالي السنة على نهاية عملية الدرع الواقي لم يتغيّر الكثير في الشجاعيّة . لقد تم ترميم عدد من البيوت لكن الكثير منها لا يزال ركاماً. أكوام من الوصفات الطبيّة تتطاير أمام بناية وزارة الصحة المدمّرة. وفي كل مكان هناك بيوت مدمّرة تبدو كطبقات كعكة، حشوتها شظايا الحياة اليوميّة: بطانيات و قدور طهي وقرائين وسيارات. شاهدت في إحدى الأكوام دفتر طفل متروك. ”عمّي يحصد العسل“ هو ما كان طفل بلا اسم قد كتبه على الصفحة الأولى.

طرّزت الكتابات جدران الكثير من البيوت: ”أحب غزّة“ بجانب قلب تخترقه قذيفة. ”ما زلت هنا“ رشاشات أي كي 47 رسمها مقاتل، و جدارية تظهر رجلاً يُنْزل الجدار العازل بين الضفة الغربية وفلسطين لكي يلقي نظرة على الأقصى. حاز بانسكي على اهتمام كبير برسوماته على أنقاض غزة، لكن هذا الفن أذكى بكثير. يمكن لبانسكي أن يأتي ويذهب، لكن هؤلاء الفنانين محبوسون هنا في ما يسميه الكثيرون سجناً في الهواء الطلق.

شاهدت العمّال يعدّلون أسياخ حديد التسليح أمام مستشفى الوفاء المقصوفة التي كانت فيما مضى مركز تأهيل للمصابين بالشلل.قصف الجيش الإسرائيلي هذه المؤسسة الطبيّة أثناء الحرب وعطّل الكهرباء وأجبر الممرضين على حمل المرضى ونزول السلالم في الظلام الدامس.

\"\"

[أنقاض مستشفى الوفاء في حي الشجاعيّة بغزّة ]

رفيق (30 عاماً) مهندس يعمل مع إحدى الشركات التي تعاقد معها برنامج الأمم المتحدة للتنمية لإزالة الركام. تنظيف مواقع القصف عمل صعب تقنياً لكن الحصار الإسرائيلي، الذي يحدّ من استيراد مواد وأجهزة البناء، يجعل الأمر أكثر صعوبة. كانت الحمير تجر حمولتها من الركام. والعمال يعدّلون أسياخ حديد التسليح بالأحجار وبأجهزة بدائية. أحياناً تعثر مجموعة رفيق على قنبلة لم تنفجر ويضطرّون للاتصال بالشرطة لتفكيكها. الجثث هي الأسوأ. ذات مرة تعثّر رفيق بطفل ميت كان ما يزال متشبّثاً بحقيبة المدرسة. وفي مرة أخرى وجد الفريق في حفرياته أمّاً تهشّم رأسها وهي تحمي طفلها وظل شعرها الطويل معلّقاً بالتراب.

لم يكن من المفروض أن يكون هذا حال الشجاعيّة. فبعد إعلان وقف إطلاق النار من قبل إسرائيل والفصائل المسلحة في 2014، اجتمعت الدول المانحة في القاهرة ووعدت بالتبرع بـ 3.5 بليون دولار لإعادة إعمار غزّة. لكن نشوة العلاقات العامّة تزول بسرعة ولم يعط المانحون بحلول نيسان 2015 إلا ربع ما كانوا قد وعدوا به.

وللتعامل مع شحّة الموارد فقد قسّم برنامج الأمم المتحدة للتنمية البيوت المدمّرة إلى ثلاث طبقات بحسب حجم الدمّار. وبحسب أشخاص يعملون على إزالة الركام فإن أصحاب البيوت التي تضررت بشكل بسيط هم الذين حصلوا على مبالغ أو مواد. وبحسب الغزّاويين الذين تحدثتُ معهم، فإن المعونة التي تم تقديمها لم تكن كافية في أغلب الأحيان لإصلاح ما دمّر.

إبراهيم أبو عمر (57 عاماً) واحد من الكثيرين من أهل غزّة ممّن أخذوا الإعمار على عاتقهم. قدم لي ولمترجمي الشاي في الهيكل الكونكريتي الذي سيصبح بيته. استغرق بناء العلبة الرمادية عشرة أشهر وكلّف 15 ألف دولار كان قد ادّخرها أثناء عمله كسائق شاحنة. واستدان مؤخراً 12 ألف أخرى. ومع كل هذا فلم يكتمل البيت بعد وما زال أمامه الكثير. يجثم الهيكل بجانب كتلة من الأعمدة الحديدية الملتوية التي تركتها شركة خاصة كان قد دفع لها كي تزيل الركام من أرضه.

يتذكّر إبراهيم حرب عام 1967. وما زال يتذكّر أشجار الليمون التي زرعها أبوه عندما كان هو صبياً. ويتذكّر 2006، عام فوز  حماس بالانتخابات وحصار إسرائيل الذي أعقبها. ”كل شيء دمّر بعد ذلك“ قال بحسرة.

اضطر لترك بيته أثناء عملية الدرع الواقي دون أن يحمل شيئاً باستثناء ما كان يرتديه. وركض في الشارع مع عائلته حتى وجد مدرسة أنروا بقي فيها لأسابيع. وعاد ليجد أن بيته وبيت ابنه المجاور قد اختفيا كليّاً. كانت الدبابات الإسرائيلية قد قصفت الوحدات السكنية لتفتح الطريق أمام الجنود الإسرائيليين لكي لا يضطروا للتحرك في الشوارع بشكل مكشوف. وما بدأته القذائف أكملته الجرّافات. وجثم بيت إبراهيم تحت ركام بيت ابنه.

بعد إعلان وقف إطلاق النار أعطت الجمعيّة الخيرية التابعة لحماس عائلة إبراهيم ألفي دولار. واختفى المبلغ بسرعة على الطعام والأساسيّات الأخرى. وحين بدأ بإعادة البناء طلبت حكومة غزة المحليّة منه 2500 دولار لتسجيل بيته الجديد وربطه بشبكة الكهرباء. كانت هذه واحدة من حكايات كثيرة سمعتها عن قيام الحكومة المحلية باستخدام دمار بيوت الناس لجباية ضرائب ورسوم. أعطوه بعض النقود في البداية على الأقل. قال إبراهيم إن المنظمات غير الحكومية التي تملأ غزّة لم تعطه شيكلاً واحداً. لكن الأونروا توقّفت عنده والتقطت بعض الصور.

سألته عن رأيه بحماس. فضحك ثم نظر بريبة جانباً. ”إذا كنت مع حماس فستكون لديك حياة جيدة. وإذا لا. . . “ كان إبراهيم موظفاً مع السلطة الفلسطينية التي أمضى جناحها الرئيسي فتح العقد الماضي بأكمله في صراع، عنيف أحياناً، مع حماس. قال لي موظفو السلطة الفلسطينية الذين يعيشون في غزّة إنّهم لا يذهبون إلى العمل إلى الآن، بالرغم من استلام الرواتب. لكنهم رفضوا أن يذكروا السبب.

في هذه الأثناء تواصل إسرائيل فرض حصارها على مواد البناء القادمة إلى غزّة مدعيّة بأنها تريد الحيلولة دون استخدامها من قبل حماس في بناء الأنفاق إلى إسرائيل ومصر. وبحسب غيشا، وهي جمعية حقوق إنسان إسرائيلية، فقد سمحت إسرائيل بدخول 1.3 طن من مواد البناء إلى غزّة منذ أيلول. وهو خمس ما يقدّر الخبراء أن القطاع يحتاجه لإصلاح أضرار الحرب. وهذا النزر لا يكاد يكفي. إذ تقدّر منظمة أوكسفام بأنه على هذا المنوال ستستغرق إعادة البناء مئة سنة. هذا إذا افترضنا أن إسرائيل لن تغزو غزّة من جديد.

أشار إبراهيم إلى جرادل من الإسمنت وقال إنه بسبب الحصار فإن بإمكانه أن يشتري مقادير للجدران، ولكن ليس للسقوف. مزجها مع الماء ليجعلها خفيفة لكنه كان متوجسّاً من أن السقف سيتهدّم بعد سنوات قليلة.

«لا يوجد مهندسون. ولا أحد يراقب. يتهدّم البيت ولا أحد يهتم.» حرك يديه معبّراً عن تقزّزه. «ماذا يفعل المرء؟» وهذا هو التعبير الذي سمعته مراراً وتكراراً في غزّة.

\"\"

[صبي يحفر في ركام ما كان بيته]

على بعد مئتي قدم كان صبيّان يحفران في ركام بيت كبير كان مسكناً لثمانين شخصاً. جدهما، عز أبو محمد العجلة، يملك شركة مقاولات صغيرة كانت قد وظّفت أبيهما. لكن أدوات الشركة وعجلاتها كانت مدفونة تحت طبقات من الكونكريت المحطّم. كان الصبيان يحفران التراب بالمسحاة لأنهما تعوّدا ذلك. لا لإيمانهما أن هناك ما يمكن أن يعثرا عليه.

قال لي العجلة «لا تبك على من فقد أمواله. بل ابك على من فقد عمله». كان رجلاً فارع الطول وبخدّين بارزين، وسيماً حتى في عمره. كانت الحرب قد كلّفت عائلته الكثير. فقد أصيب ابنه برصاصة في كاحله. وفقدت زوجته طفلها. حين هربت العائلة من القنابل كانت من المرض بحيث أن بناتها اضطررن إلى حملها. عاشت العائلة بأكملها محشورة في غرفة واحدة في مدرسة يأكلون السمك والفاصولياء المعلبة. وبسبب الزحام كانت هناك شجارات مع جيرانهم. وشاهدت النساء في كوابيسهن الزجاج والغبار والجدران المهتزّة.

بعد الحرب أعطت حماس العجلة ألفي دولار للإيجار وذلك لعائلة قوامها 80 شخصاً. ونفد المبلغ بعد شهرين.وأخذ العجلة يعمل على ترميم مبنى لتعيش عائلته فيه. فاشترى أجهزة مستعملة وبدأ يصلّح الحمّامات والأبواب والشقق. وبينما كان يعمل اتصل به موظف من الأمم المتحدة واقترح عليه أن يسجّل لاستلام المعونات. قدّر موظفو الأمم المتحدة الأضرار في بنايته بـ ١٧ ألف دولار. لكن العجلة قال لي إنه عندما ذهب إلى مكتب الأمم المتحدة لاستلام الصك ادّعوا أنهم وعدوه بمبلغ 10700 وأنّهم سيدفعون له بقسطين. ولأنه كان متخوفاً من عدم الحصول على أي مبلغ فقد وافق على المبلغ الأوطأ واستمر بالعمل بصب الإسمنت وبناء السقوف مع أولاده. ودفع ألفي دولار من جيبه كان موظفو الأمم المتحدة قد أكدّوا له أنهم سيعوضونها. جاء الصك الأول بمقدار 4 آلاف دولار مع قطعة تحمل شعارات برنامج الأمم المتحدة للتنمية وصندوق النقد العربي والمصرف العربي للتنمية الاقتصادية قي إفريقيا. وأعلنت القطعة بفخر أن هذه المجموعات ساهمت بكرم في إعادة بناء 600 وحدة سكنيّة تضررت في الحرب.

ولم يسمع بعدها من الأمم المتحدة.

حين سألت العجلة عن القطعة رفع ذراعيه باحتقار.

«نحن مقاولون، بإمكاننا أن نبني البيوت» قال العجلة بصوته الجهوري. «لسنا بحاجة إلى مساعدة. إعطونا النقود فقط. كلّف الإسمنت وحده لهذه الجدران 6000 آلاف دولار.

ولم يكن الوضع أفضل مع برامج المنظمات غير الحكومية. انتظر العجلة وعائلته في الطابور لساعات لاستلام المعونة التي اتضح فيما بعد أنها كوبونات لسراحيّات ماء بلاستيكيّة رخيصة و رز قديم عمره 30 سنة وجبن «حتى الأبقار لا تأكله.»

قال لي العجلة: « لا تهمني السياسة. كل ما يهمني هو عائلتي. فلماذا يحصل هذا؟»

\"\"

[رجل يجلس داخل أنقاض بيته في حي الشجاعيّة بغزّة]

يعتقد الساسة الإسرائيليون على اختلاف مشاربهم أن حماس هي السبب في كل هذه المشاكل. ولأن الغزّيين انتخبوا حماس عام 2006 ولأن الحركة فرضت سيطرتها على القطاع عام  2007 فمن حقهم أن يفعلوا ما يريدونه.

ليست حماس تهديداً بحد ذاتها. فهي تمتلك صواريخ ليست ذات تأثير. منذ عام 2007  قتلت هجمات الصواريخ والهاون 44 شخصاً داخل إسرائيل. حكومة حماس المحلية مفلسة إلى درجة أن الكثير من موظفيها لا يستلمون رواتبهم لأشهر بأكملها. وقبل تدمير معظم أنفاق التهريب كانت بمثابة شرايين الحياة الاقتصادية لسكان القطاع.

لكن الساسة الإسرائيليين مهتمّون بحماس من ناحية العلاقات العامة. فبإمكانهم أن يصوروا عدوانهم على أنه دفاع عن النفس.

تتذرّع إسرائيل بحماس لتبرير مئات الخروقات لوقف إطلاق النار وتحديدها لحركة الغزيين والحصار الذي دمّر اقتصاد غزّة والذي طحن مستقبل سكانها حتى أصبح بنعومة غبار الشجاعية.

بغض النظر عمّا إذا كانت حماس مخطئة أم لا، فإن غزّة تعاني. وبالرغم من عدم وجود أي دليل على تورط مسؤولي حماس، فإن اختطاف وقتل ثلاثة مراهقين إسرائليين في الضفة الغربية أعطى تبريراً لنتانياهو ولعملية الدرع الواقي. في الأيام التي أعقبت الاختطاف قصفت إسرائيل غزّة جواً واعتقلت مئات الفلسطينيين، بضمنهم معظم قيادات حماس في الضفة الغربية. وحين ردّت حماس بالصواريخ حصلت إسرائيل على ذريعتها للحرب المعلنة.

في آخر ليلة لي في غزّة شهدتُ هذا الانتقام على مستوى أصغر.

أطلقت حركة سلفية تعارض حماس ثلاثة صواريخ على إسرائيل سقطت على حقل وأحرقت دائرة صغيرة من العشب. تحمّل إسرئيل حماس مسؤولية أي هجوم بالصواريخ قادم من القطاع حتى لو كان مطلقوه أعداءها. وكان أزيز الطائرات بدون طيّار أقوى من العادة فوق رؤوسنا تلك الليلة.

جلست على شرفة شقتي التي تطل على ساحل غزّة حيث يعرض الأولاد الصغار تأجير جولات بالقارب ويدخن الرجال والنساء الأرجيلة. قبل سنة، قتلت القذائف الإسرائيلية أربعة أطفال على هذا الشاطئ. وبعد أسبوع من زيارتي برّأت لجنة تقصى إسرائيلية الجيش من أي خطأ.

يتصاعد صوت الطائرات. وأرى في أفق البحر وخزات ذهبيّة؛ إنها أضواء البارجات الإسرائيلية. ثم أسمع زمجرة الطائرات. 

كانت هذه أصواتاً عاديّة في ليلة عادية، في تلك المدينة غير العادية، والمحاصَرة والعصيّة.

وبحلول منتصف الليل كانت القذائف تسقط من جديد.

* بعض الأشخاص رفضوا إعطاء أسمائهم.

 

[ترجمة سنان أنطون. تنشر جدليّة النص بالاتفاق مع الكاتبة. نشر النص الأصلي بالانكليزية على موقع Vice في 30 حزيران 2015]

 

[جميع الرسومات المستخدمة من رسم الكاتبة]